إنذارٌ كاذب

تقول: في سباق مستمر مع الوقت للدرجة التي أفقدتني متعة اللحظة
أشعر أن الحياة عجلة تدور دون توقف إن لم الحقها ستسحقني

أعيش طوال الوقت في ترقب وكأن أحداً سيخبرني بأمر غير سار فتتسارع أنفاسي وينقبض قلبي

أريد خلع هذه العدسة الزجاجية التي تجعلني أرى وأركز على دقائق الأمور وحتى أتفهها

أشعر بأن عقلي ألدّ أعدائي فهو يفسر كل حدث بطريقة مرعبة و يقفز لأسوأ الاحتمالات دائماً ..

مللت دائرة الأمان التي بدأت تخنقني وتحد من مساحة أحلامي

عقلي أشبه بالة ثبتت على وضع التشغيل ولم يتمكن أحدا من إيقافها

أحاول الهروب من أفكاري وخوفي ألأمر يشبه الهروب من ظلي مهما كانت السرعة فإنه يلازمني دائما

فساعديني

 

حين ترهقنا الأسئلة وتخيفنا الإجابة

حين يفوتنا العمر بحثا عن براهين المجهول وأدلته المستحيلة

حين تصبح خلفية أيامنا نبضات قلب لا يهدأ وأنفاس تطلبنا التوقف

 

فهنا يكون القلق

وحين نتأمل القلق نجد انه انفعال طبيعي مثله مثل الحب والغضب والحزن

يكون صديقاً عندما يكون طارئ ووقتي لما يعترضنا من المواقف التي تتطلب أن نقلق حيالها وبانتهاء هذا الأمر تنتهي هذه الحالة

ويكون انفعالا مزعجا حين يلازمنا في مختلف المواقف سواء كانت ذات أهمية أو أقل أهمية فيسلب راحتنا ويملأ حياتنا بالضجيج الدائم الغير سار

فمن الجيد أن يكون لدينا جهاز انذار الحريق لأن بوسعه أن ينقذ حياتنا لكنه يمكن أن يكون شديد الحساسية حين يمكن أن تؤدي قطعة من الخبز المحمص بعض الشيء الى اطلاق الإنذار بالطريقة نفسها التي تحدثها غرفة مملؤة بالدخان

القلق ليس شيئا ولدنا به مثل الشامة أو لون العينين وليس خللا طبيا أصبت به اننا لا نتخذ قرارا القلق بشكل واع فيحدث ان يصبح القلق عادة فيصبح رد فعل عفوي على أي موقف .. فقد نشعر بالقلق حيال شيء ما ولا ندرك أسباب ذلك

وعن القلق يقول أبو الطيب المتنبي (على قلق كأن الريح تحتي أوجهها جنوبا أو شمالا)

هل سبق أن عانيت معاناة شديدة من اتخاذ قرار ما؟-

هل سبق وشرعت في تعذيب نفسك من خلال أسئلة لا تنتهي-

هل سأندم لاحقا؟-

ماذا لو لم يكن القرار صائبا؟-

هل أنا متأكد؟-

هل انا افعل الشيء الصحيح؟-

هل أنا على يقين من ذلك ؟-

اننا نتصارع مع المجهول ونرغب بشدة في حياة توضح لنا الطريق الذي ينبغي أن نسلكه

الحياة لا تعطينا الضمانات وهذا يؤرقنا لأننا نحب اليقين ونخشى الغموض والمجهول

يقول ديسوفيسكي (الأرواح التي اعتادت القلق تظن أن الطمأنينة فخ)

 

وللقلق حيل ومصائد يسرقك من خلالها من حيث لا تعلم

أولها اكتشاف الخطر

حيث (الحذر خير من الندم) والذي يعني أن تنبؤك بالكثير من المخاطر التي يمكن حدوثها حتى لو لم يتحقق منها شيء أفضل من تجنب خطر واحد حقيقي فتظل حذرا وتستنفذ قواك العقلية في تحديد واكتشاف المخاطر وكل ما تستطيع أن تجده هو المزيد من المخاطر .. تماما مثلما تضرب كرة البلياردو الكرات الأخرى

ثانيها التهويل بشأن الخطر

وهو أن النتائج السلبية التي تستحضرها في ذهنك لن يمكنك تحملها لو تحققت وحتى لو كان هذا الموقف في المستقبل البعيد فإنك تشعر أنك تحتاج الى التعامل معه على الفور فيتعهدنا القلق بعدم سيطرتنا على المواقف وقهرنا فنستمر نعانيه الى الأبد مما يجعل ظل الهواجس يلازم شعورنا باستمرار

فكم من خوف من عدم النجاح جعلنا نقع فريسة للفشل؟ وكم من إحباط داخلي جعلنا لا نثق بأننا قادرين على النجاة وتحقيق أهدافنا وقتل الخوف في داخلنا؟

ثالثها التحكم في الموقف

أي أن نشعر أن لدينا القدرة على تجنب حدوث جميع الأشياء السيئة بالتفكير فيها وتوقعها واذا لم تتحكم فيها سوف تنهار بينما انت فقط تزيد من جهودك اليائسة لكي تتحكم في الأمور في عقلك لتقليل نسبة الخطر بالنسبة لك وربما يكون الأشخاص القلقون جيدين في حل المشكلات بمجرد حدوثها ولكنهم يقللون باستمرار من شأن قدراتهم المستقبلية على التعامل مع هذا العالم

رابعها تجنب الخطر أو الفرار منه

والمعتقد الأساسي هنا أنه يمكن التخلص من الخطر برفض مواجهته وتتمثل نتائج هذه القاعدة بالشلل النفسي فتصبح حياتنا محاطة بكل أنواع القيود التي تجعلنا نشعر بالجمود والسلبية

 

أما عن علاج القلق فهو لا يكمن في حياة مليئة بالاسترخاء والاستلقاء على الشاطئ واحتساء مشروبنا المفضل بينما تتلاطم الأمواج على طول الشاطئ

لكن الحياة غالبا ما تصبح مملة عندما لانفعل شيئا ولا يكون هناك شيء تركز عليه ولا يكون هناك سبب متجدد للنهوض من الفراش

يتمثل الشيء الأول لعلاج القلق هو فهم أنه جزء من موروثنا فمنذ زمن عاش اسلافنا في عالم ممتلئ بالمخاطر المهددة للحياة  فكانت الحيطة والحذر والترقب المستمر والخوف هو درع الوقاية حتى يتمكنوا من البقاء .. هذه المخاوف كانت ضرورة ومع تطور الحياة انتقلت الينا لكنها لم تعد قابلة للتكيف فحيث أننا لم نعد نعيش في ذلك العالم البدائي

 " يقول وينستون تشيرشل: " إن المسؤولية تجاه جميع افكارك هي ثمن العظمة )

ومع القلق فإننا نستخدم افكارنا وتصوراتنا بشأن مستقبلنا ليس لإلهامنا ولا لتحفيزنا بل لسلب شعورنا بالهدوء من خلال التركيز على المشكلات والتحديات والمخاطر المحتملة التي لن يحصل منها شيء

حيث انه تجول في اذهاننا ما يزيد عن 60 الف فكرة ولكن المذهل حقا هو أن 95 من هذه الأفكار هي نفسها الأفكار التي جالت بذهننا في اليوم السابق!!

تأمل كم من الافتراضات الكارثية التي تبنيتها في الماضي لم يحدث منها شيء حتى الان ولكننا نظل مسجونين في دائرة القلق وتوقعاته المرعبة عاجزين عن مواجهته

فالعقل خادم رائع ولكنه سيد بشع ما اذا صرت مفكرا سلبيا ..

 

"يقول نابليون بونابارت: "أن حياة معظم الناس هي نتاج خيال اسيئت ادارته

ان كل ما تفعله عندما تشعر بالقلق تجاه حدث مرتقب تنشئ فيلما قصيرا في ذهنك وعندئذ تكون انت المؤلف الوحيد للسيناريو ومخرجك هو القلق ليقتصر فلمك على أسوأ مشاهد الرعب والاثارة وفقد السيطرة فخيالنا نعمة ونقمة على حد سواء .. فاذا لم تكن ماهرا وواعيا في استخدام خيالك فقد تسيطر مخاوفك عليك فكن حذرا بشأن ما يجول به

نقلق من قلقنا  فنهلع منه ونحاول السيطرة عليه بقمع افكارنا واحكام قبضتنا بينما هو في الحقيقة إشارة للضجيج وبمجرد تقبله وفهم مصائده سوف يخمد من تلقاء نفسه ولو توقفنا عن تغذيته وعن منحه مزيدا من الطاقة من خلال المزيد والمزيد من التفكير لنفذ منه الوقود حيث أنه لا يشكل خطرا في حد ذاته فنحن في أمان و الحقيقة أننا  في أمان طوال الوقت لكننا فقط لم ندرك ذلك في ضجيج القلق

عقولنا مثل البحيرة وفي عالمنا المليء بالصخب فإنها ليست ساكنة نحن مليؤن باضطراب داخلي

وبتكريس بعض الوقت لتسكين الذات يوميا تصبح بحيرة العقل ملساء كالطبق الزجاجي وذلك السكون الداخلي يجلب معه فوائد عظيمة بما في ذلك شعور عميق بالسعادة والسلام الداخلي والطاقة التي لا يحدها حد وذلك من خلال ممارسة

عيش اللحظة وهي مهارة قديمة تعود الى ألاف السنين وهي أن نصبح أكثر وعيا بما يحدث هنا والان وأن ندرك أن الماضي بمثابة الماء الجاري تحت الجسر وان المستقبل هو الشمس البعيدة في أفق الخيال وأن أهم لحظة هي اللحظة الحالية و أن السعادة حين تستطيع أن تعيش اليوم بدلا من الاستعجال للوصول الى مكان ما بحثاً عنها

 

تذكر لا يستحق القلق العناء المصاحب له ففي كل الأحوال معظم ما نقلق حياله لا يحدث ابداً

:وختاما أشارككم هذه المقولة الرائعة

في كل يوم سيقوم العالم بجرك من يدك وهو يصرخ هذا مهم وذاك مهم وذلك مهم عليك القلق بشأن هذا وذاك وبكل يوم يرجع الأمر لك في أن تسحب يدك لتضعها على قلبك وتقول (لا هذا هو المهم)